الإطار القانوني

حرية الصحافة الخالية من أيّ معنى تحت حكم بن علي

كانت حرية الصحافة والتعبير والنشر خلال فترة حكم بن علي مضمونة بموجب الفصل الثامن من دستور غرة جوان 1959. في الحقيقة فانّ فسحة الحرية التي ضمنها الدستور تمّت مصادرتها من قبل حزمة من القوانين والممارسات الادارية التي أفرغتها من كل معنى. في هذا السياق، تتنزّل مجلّة (قانون) الصحافة التي رأت النور بموجب القانون عدد 75-32 المؤرخ في 28 أفريل 1975 والتي تنحى أغلب فصولها منحى قمعيا.

على مدى عقود من الزمن، والى حدود السنوات الألفين، حافظت الدولة على احتكارها للقطاع السمعي البصري من خلال القنوات التلفزية والاذاعية العمومية. وعلى عكس الصحافة المكتوبة التي كانت تحظى، نسبيا، بالتعدد والتنوّع، كان القطاع السمعي البصري حرّا من كل تشريعات خصوصية.

اطار تشريعي جديد بداية من 14 جانفي 2011

تغيّر المشهد الاعلامي بشكل جذري بعد سقوط نظام بن علي عقب تغيّر المشهد السياسي بتاريخ 14 جانفي 2011. وقد تجلّى ذلك من خلال الغاء كل آليات الرقابة التي جثمت على صدر الاعلام لعقود من الزمن.

في هذا ال سياق الجديد المتّسم بتحرير الكلمة، اعتمدت تونس بشكل أساسي على هذه النصوص القانونية :

المرسوم عدد 115 لسنة 2011 المؤرخ في 2 نوفمبر 2011 والمتعلق بحرية الصحافة والطباعة والنشر.

المرسوم عدد 116 لسنة 2011 المؤرخ في 2 نوفمبر 2011 والمتعلق بحرية الاتصال السمعي البصري وانشاء الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري.

تمّ اعداد هذين النصّين من قبل الحكومة المؤقتة قبل انتخابات 23 أكتوبر 2011.

واعترف الدستور الجديد للجمهورية التونسية المصادق عليه بتاريخ 26 جانفي 2014 بحرية الرأي والتفكير والتعبير والصحافة والنشر والطباعة في الفصل 31، مانعا خضوعها لأيّة رقابة مسبقة.

وساهمت الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري في تنظيم القطاع السمعي البصري من خلال نشر أربع كراسات شروط، بتاريخ 5 مارس 2014، تتعلق بشروط الحصول على الاجازات بالنسبة الى الاذاعات والقنوات التلفزية الخاصة والجمعياتية.

اطار تشريعي يعاني الهشاشة

مازال تطبيق هذه التشريعات الجديدة، في أحيان كثيرة، رهين ارادة المنظومة الحاكمة وجملة الوسائل المتاحة. في هذه السياق، تواصل بعض المحطات التلفزية التي تمّ رفض منحها التأشيرة أو تلك التي ما تزال تحضع للتعديل، البثَّ في حين تمّ منع عدد آخر من قبل الحكومة مباشرة -دون الرجوع الى الهيئة التعديلية- بدعوى مكافحة الارهاب.

بالاضافة الى ذلك، مازال القانون الجزائي (على غرار الفصل 245 المتعلق بالثلب) أو قانون الاتصالات نافذين حيث يتمّ اللجوء اليهما كلّما تعلّق الأمر بجرائم الصحافة في حين أنّ المرسوم 115 قد أحاط بهذه المسائل.

وللاشارة فانّ القانون الجزائي، في علاقته بالصحافة، مازال محكوما بنصوص ذات نفَس قمعي.

النفاذ الى المعلومة، تقدّم ملحوظ في الجانب التشريعي

تعزّز الاطار القانوني المتعلق بوسائل الاعلام والشفافية، منذ 14 جانفي 2011، عبر دخول المرسوم عدد 41 المؤرخ في 26 ماي 2011 والمتعلق بالنفاذ الى الوثائق الادارية، حيّز النفاذ. بالرغم من النزعة التحررية التي يستبطنها المرسوم الّا أنّه واجه، عند التطبيق، حواجز كثيرة قلّلت من فاعليته ونجاعته، جرّاء بيروقراطية الادارة العمومية التونسية من جهة وحزمة الاستثناءات التي احتوى عليها المرسوم من جهة أخرى.  تمّ الغاء المرسوم عدد 41 من خلال القانون الأساسي عدد 22 المؤرخ في 24 مارس 2016 والمتعلّق بالنفاذ الى المعلومة. هذا القانون الجديد يضع الاصبع مباشرة على النفاذ الى المعلومة على عكس المرسوم 41 الذي تعلّق فقط بالوثائق الادارية الخاصة بالمؤسسات العمومية. تمّ اعتبار تمرير هذه القانون ذي الاستثناءات القليلة، بمثابة انتصار كبير على اعتبار أنّه جاء وفيّا الى روح الفصل 32 من الدستور التونسي. وكانت منظمات المجتمع المدني قد خاضت معركة طاحنة ضدّ الحكومة والبرلمان من أجل الضغط عليهما لتمرير لتنقيح مشروع القانون وتمريره وفق الصيغة الحالية.

انترنات حرّة .. ولكن الى متى ؟

في قطاع الانترنات مازال القانون يسعى جاهدا لمواكبة الطفرة المعلوماتية والاتصالية التي انجرّت عن رفع الرقابة البوليسية عن الواب التونسي بعد 14 جانفي 2011.

بالرغم من اتّخاذ جملة من التدابير، على غرار تأسيس الوكالة الفنية للاتصالات في نوفمبر 2013، من أجل حماية المجال السيبرنيطيقي التونسي الاّ أنّه توجد الى حدّ الآن أيّة تشريعات لمكافحة الجريمة السيبرنيطيقية رغم صياغة العديد من مشاريع القوانين في هذا الغرض التي جرت العادة أن يرفضها نشطاء الانترنات وشريحة واسعة من منظمات المجتمع المدني بدعوى أنّها تهدف الى تضييق مساحة الحريات على الانترنات وتمسّ من الحياة الخاصة للمستخدمين.

صحافة مكتوبة في انتظار التعديل الذاتي

على غرار عدد كبير من الدول التي تتّجه نحو الديمقراطية، ليست هنالك نيّة لارساء هيئة لتنظيم قطاع الصحافة المكتوبة. واستنادا الى المرسوم عدد 115 لسنة 2011، يكفي تصريح بسيط لدى المحكمة من أجل اصدار دوريات دون الاضطرار لنيل أيّة رخص مسبقة.

في الأثناء، تسعى جامعة مديري الصحف ونقابة الصحفيين التونسيين الى بعث هيكل للتعديل الذاتي "مجلس الصحافة" يتمّ اللجوء اليه في ما يتعلّق بتوزيع الاشهار العمومي ومنح بطاقات الصحفي المحترف واصدار مواقف لعب دور الوسيط في حالات الثلب والنزاع.

  • Project by
    Alkhatt
  •  
    Reporters without borders
  • Funded by
    BMZ